فخر الدين الرازي

371

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

اعلم أنه تعالى عاد إلى ذكر الدلائل الدالة على قدرته وحكمته ورحمته ، وقد ذكرنا أن المقصود الأعظم في هذا الكتاب الكريم تقرير دلائل التوحيد ، فإذا امتد الكلام في فصل من الفصول عاد الكلام بعده إلى ذكر دلائل التوحيد ، والمذكور هاهنا الوجوه المستنبطة من الإنعامات في أحوال ركوب البحر . فالنوع الأول : كيفية حركة الفلك على وجه البحر وهو قوله : رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ والإزجاء سوق الشيء حالا بعد حال ، وقد ذكرنا ذلك في تفسير قوله : بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ [ يوسف : 88 ] والمعنى : ربكم الذي يسير الفلك على وجه البحر لتبتغوا من فضله في طلب التجارة إنه كان بكم رحيما ، والخطاب في قوله : رَبُّكُمُ وفي قوله : إِنَّهُ كانَ بِكُمْ عام في حق الكل ، والمراد من الرحمة منافع الدنيا ومصالحها . والنوع الثاني : قوله : وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ والمراد من الضر ، الخوف الشديد كخوف الغرق : ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ والمراد أن الإنسان في تلك الحالة لا يتضرع إلى الصنم والشمس والقمر والملك والفلك . وإنما يتضرع إلى اللّه تعالى ، فلما نجاكم من الغرق والبحر وأخرجكم إلى البر أعرضتم عن الإيمان والإخلاص وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً لنعم اللّه بسبب أن عند الشدة / يتمسك بفضله ورحمته ، وعند الرخاء والراحة يعرض عنه ويتمسك بغيره . والنوع الثالث : قوله : أَ فَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ قال الليث : الخسف والخسوف هو دخول الشيء في الشيء . يقال : عين خاسفة وهي التي غابت حدقتها في الرأس ، وعين من الماء خاسفة أي غائرة الماء ، وخسفت الشمس أي احتجبت وكأنها وقعت تحت حجاب أو دخلت في جحر . فقوله : أن نخسف بكم جانب البر أي نغيبكم من جانب البر وهو الأرض ، وإنما قال جانِبَ الْبَرِّ لأنه ذكر البحر في الآية الأولى فهو جانب ، والبر جانب ، خبر اللّه تعالى أنه كما قدر على أن يغيبهم في الماء فهو قادر أيضا على أن يغيبهم في الأرض ، فالغرق تغييب تحت الماء كما أن الخسف تغييب تحت التراب ، وتقرير الكلام أنه تعالى ذكر في الآية الأولى أنهم كانوا خائفين من هول البحر ، فلما نجاهم منه آمنوا ، فقال : هب أنكم نجوتم من هول البحر فكيف أمنتم من هول البر ؟ فإنه تعالى قادر على أن يسلط عليكم آفات البر من جانب التحت أو من جانب الفوق ، أما من جانب التحت فبالخسف . وأما من جانب الفوق فبامطار الحجارة عليهم ، وهو المراد من قوله : أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فكما لا يتضرعون إلا إلى اللّه تعالى عند ركوب البحر ، فكذلك يجب أن لا يتضرعوا إلا إليه في كل الأحوال . ومعنى الحصب في اللغة : الرمي . يقال : حصبت أحصب حصبا إذا رميت والحصب المرمي . ومنه قوله تعالى : حَصَبُ جَهَنَّمَ [ الأنبياء : 98 ] أي يلقون فيها ، ومعنى قوله : حاصِباً أي عذابا يحصبهم ، أي يرميهم بحجارة ، ويقال للريح التي تحمل التراب والحصباء حاصب ، والسحاب الذي يرمي بالثلج والبرد يسمى حاصبا لأنه يرمي بهما رميا . وقال الزجاج : الحاصب التراب الذي فيه حصباء والحاصب على هذا ذو